
لم تكن واقعة البلوجر الشهير الذي أطلق على نفسه اسم “ياسمين تخلي الحجر يلين” الأولى من نوعها في عالم الخداع عبر المظاهر الأنثوية، فقبل أكثر من سبعين عامًا شهدت مصر واحدة من أغرب القصص التي حيّرت الرأي العام، عندما تحولت مجموعة من رجال الصعيد إلى نساء، لا على سبيل الدعابة أو التمثيل، بل كواقعٍ عاشوه لسنوات طويلة!
من بلوجر اليوم إلى رجال الأمس
في خمسينيات القرن الماضي، تحديدًا عام 1958، كشفت الصحافة المصرية عن أربع قصص حقيقية لرجال من محافظة أسيوط، اشتهروا بارتداء ملابس النساء والسير بطريقتهم، والتحدث بلهجتهن، بل والرقص والغناء في المناسبات الشعبية. الغريب أن المجتمع حينها لم ينظر إليهم كمنحرفين، بل كأشخاص مسكونين بالأساطير والمعتقدات القديمة.
“أبو السباع”.. الزوج الذي خضع لأوامر الجنية
أول أبطال هذه الوقائع كان رجلًا يُدعى إسماعيل رزة المعروف بـ”أبو السباع”، زعم أنه تزوج “جنية من تحت الأرض”، شرطها الوحيد أن يتزين كالنساء حتى لا تراه نساء الإنس بعين الرغبة!
المثير أن أهالي قريته صدقوا الحكاية، ورووا عنه معجزات، منها أنه كان يُخرج نقودًا من حفنة تراب، وأنه يمتلك قوة خارقة في الموالد الشعبية، لكنهم لم يتوقفوا أمام غرابة تصرفه بارتداء ملابس النساء.
“حسين محمود”.. من قبح الوجه إلى راقص الأفراح
أما الثاني، فهو حسين محمود الذي بدأ قصته من عقدة قبح وجهه، ليقرر أن يحاكي شقيقته الجميلة، مستخدمًا أدوات تجميلها وملابسها الزاهية.
وفي ليلةٍ فارقة، رقص في فرح بزي نسائي فأبهر الحضور، لتبدأ رحلته كمحترف رقص في الأفراح، بل وصل به الأمر إلى إخفاء فساتينه في المعسكر أثناء تأديته الخدمة العسكرية، حتى تم فصله بعد اكتشاف أمره!
“بيومي هاشم”.. كودية الزار التي لم تكن امرأة
أما بيومي هاشم، فكان متزوجًا وأبًا لستة أبناء، لكنه ورث عن أمه مهنة “كودية الزار”، فكان يرافقها متخفيًا بملابس النساء، حتى اعتادها ولم يخلعها بعد وفاتها.
وبالزي ذاته، أصبح رئيس الجوقة، يدق الطبول ويقود حلقات الزار بين النساء، وكأن لعنة الوراثة قيدته إلى عالم الأنوثة إلى الأبد.
“سلطان إبراهيم”.. خادمة تحولت إلى زعيمة زار
الرابع هو سلطان إبراهيم، الذي اضطر بعد وفاة والده إلى العمل خادمًا في البيوت، ثم وجد طريقه إلى عالم الزار. هناك ارتدى الطرحة والمنديل “أبو أوية”، حتى صار من أشهر العاملين في المهنة، يتنقل بين بيوت أسيوط ناشرًا طقوس الزار القديمة.
تحليل الظاهرة.. بين علم الاجتماع والموروث الشعبي
في ذلك الوقت، انقسمت الآراء حول الظاهرة. فبينما رأى البعض أنها نتاج الفقر والظروف المعيشية القاسية، أكد علماء الاجتماع أن الأمر مرتبط بالتنشئة الخاطئة، حين تُلبس الأمهات أبناءهن الذكور ملابس البنات اعتقادًا بأنها تقيهم الموت أو العين، فينشأ الولد بنزعة أنثوية يصعب التخلص منها.
ويرى الدكتور حسن الساعاتي أستاذ الاجتماع، أن بعض الحالات سببها أيضًا الغيرة أو الرغبة في لفت الأنظار، كما حدث مع حسين محمود الذي أراد أن يكون محبوبًا كأخته.
بين الخرافة والحقيقة
ظلت هذه القصص تُروى في أرشيف الصحف القديمة كحكايات من زمنٍ غرائبي، تتقاطع فيه الخرافة مع الواقع، حيث يختلط السحر بالجهل، والاضطراب النفسي بالإيمان بالموروث الشعبي.
لكنها تظل شاهدًا على أن الغرابة ليست حكرًا على زمن السوشيال ميديا، بل لها جذور ضاربة في التاريخ، من قلب الصعيد إلى شاشات اليوم.






